من بين الأعمدة الشامخة في عمق الصحراء يفوح عبق الخلود في صحراء تدمر.
حكاية شموخ وأنفة لأسطورة سورية تركت للبشرية إرثاً فنياً وتاريخياً.
زنوبيا ملكة الشرق وملكة سوريا الأسطورة التي تمتلك الطموح والشجاعة وقوة الشخصية والعظمة وعرفت أيضاً بالعقل السياسي الفذ والفروسية وصاحبة الجمال الفتان والعفّة.
في القرن الثالث الميلادي في الشام كان هناك مدينة تسمى تدمر، مملكة الشرق، تدمر مدينة الزهور والنبلاء مدينة عربية بمباني ونقوش رومانية وسكانها من الطبقة الحضارية العليا، جمعت كلّ الثقافات والحضارات، كانت مزدهرة إقتصادياً لأنها مكان مرور للقوافل التجارية و أيضاً لها مكانة مميزة لكونها تربط القارات آسيا وإفريقيا وأوروبا مع بعضها، تدمر لؤلؤة الصحراء وحلقة الوصل بين أعظم قوتين في ذلك الوقت الروم غرباً والفرس شرقاً،
مملكة تدمر حكمتها ملكة عربية سورية اسمها زنوبيا وهي ليست ملكة بسيطة بل هي تاريخ عظيم، ملكة الشرق التي هزّت عرش روما وتحدت الإمبراطورية.
من هي زنوبيا؟ وكيف وصلت للحكم؟ وما هي حكايتها؟ وكيف انتهى حكمها؟
زنوبيا: اسمها الزباء بنت عَمر بن حسان بن أذينة بن الصميدع، عُرفت عند العرب باسم زينب، من أصول عربية، واعتزت بعروبتها، ولدت عام (240) ميلادي في مدينة تدمر وترعرعت الأسكندرية، يقال أنّ أمها أغريقي، وتصل بنسبها إلى كليوباترا التي طالما كانت هاجساً لزنوبيا وأخذت منها الكثير من الصفات كالعظمة والطموح بالإضافة إلى الجمال الفتان والفروسية والعقل السياسي الفذ، وبهذه الصفات نافست زنوبيا أعظم أباطرة روما العظيمة، تزوجت زنوبيا من ملك تدمر أذينة وأنجبت له ولي العهد وهب اللات ويسمى أيضاً “هبة الله”.
كيف وصلت زنوبيا للحكم في تدمر؟
عندما هزم الرومان على الأراضي السورية في معركتهم ضد الفرس الساسانيين تدخل الملك أذينة بقوة وذكاء وهزم الفرس وأبعدهم عن أراضيها، وبذلك حصل على ثقة روما ومكانة كبيرة لدى الأمبراطورية الرومانية وتم تسليمه الحكم ليس في تدمر بل الجزء الشرقي التابع للإمبراطورية الرومانية بأكمله، وكانت معاركه كلها لصالح الإمبراطورية الرومانية، أخذ أذينة لقب ملك الملوك وملك الشرق.
لكن حكمه لم يدم طويلاً فقد تم إغتياله في عام (267-266) ميلادي ويقال بأنّ ابن أخيه هو من قتله بعد خلاف حصل بينهم لأنّه كان طامعاً بالحكم. إنّ نهاية الملك أذينة كانت بداية ولادة الأسطورة لأمرأة عظيمة هي الملكة التدمرية زنوبيا، التي أصبحت وصية على عرش تدمر لأن ابنها وهب اللات كان لايزال صغيراً. وعند وصولها للحكم أحاطت نفسها بالمثقفين والفلاسفة وتابعت سياسات زوجها أذينة بالتوسع، لكن طموحها وحنكتها جعلتها لا ترضى بالتبعية للإمبراطورية الرومانية فأسست لنفسها جيشاً قوياً ووفياً.
ومع القوة والنفوذ الذي حصلت عليه بدأت بتوسيع إمبراطوريتها الخاصة والتي تطمح بها بالاستقلال عن روما مستغلة إنشغال الرومان بالإضطربات الداخلية التي كانت تشهدها بلادهم متحدية بذلك سيادة روما. وفي عام (270) ميلادي قامت بشن حملاتها وضم الأراضي إلى إمبراطوريتها واستطاعت بسياستها وقوتها هز الروح المعنوية للرومان والفرس معاً، وأرسلت زنوبيا جيشاً إلى مصر لتوسيع الأراضي التي كانت تسيطر عليها، فكانت إمبراطورية تدمر الغنية أخذة بالتوسع ولم تفعل إمبراطورية روما شيئًا حيال الملكة زنوبيا لأنها كانت منشغلة بالصراعات الداخلية. فقامت زنوبيا واعتمدت الألقاب الأمبراطورية مثل أغسطس وهبلاتوس وأوغوستا لنفسها وهي ألقاب مخصصة للعائلة الحاكمة في روما فقط.
ومع توسيع إمبراطوريتها بدأت أيضاً بعقد وإبرام اتفاقيات تجارية واقتصادية ومفاوضات مع المقاطعات المجاورة ومع الفرس دون استشارة روما. وبحلول عام (271) ميلادي حكمت إمبراطورية كانت تمتد من العراق وسوريا وصولاً إلى مصر وآسيا الصغرى وتعاونت مع الدول المجاورة لتأمين العلاقات التجارية و الاقتصادية لإمبراطوريتها، أعلنت تدمر إمبراطورية مستقلة عن روما فأصبحت تدمر مملكة الشرق ومن أهم الممالك على الإطلاق، بهذا الوقت كانت زنوبيا قد أصدرت عملة خاصة بمملكتها تدمر،
وصكت النقود في أنطاكيا وضعت على أحد وجهيها صورة الإمبراطور الروماني أوريليانوس وعلى الوجه الآخر صورة ابنها وهب اللات و لكنها أزالت صورة الإمبراطور أوريليانوس لتصبح لتدمر عملة خاصة بها، دون تبرير ما تقوم به للإمبراطورية الرومانية.
كيف كانت نهاية الأسطورة العظيمة الملكة زنوبيا؟
بدأت الإمبراطورية الرومانية متمثلة بأمبراطورها أوريليانوس تخشى مملكة تدمر والملكة زنوبيا وقوة جيوشها وتوسعها المستمر وبدأ بمفاوضات مع الملكة زنوبيا، لكنه لم يكن ليقبل بمشاركة الحكم مع مع الملكة التدمرية، فبدأ بتجهيز جيوشاً بشكل سري لقتالها واستعادة الأراضي، وفي عام (272) ميلادي اشتبك الجيشان مع بعضهما، وغلب الإمبراطور أوريليانوس وجيوشه جيش الملكة زنوبيا، فتراجعت بجيوشها ليعود الاشتباك بين الجيشان من جديد وفي هذه المرة أيضاً غلب الرومان جيوش الملكة زنوبيا للمرة الثانية على التوالي، فعادت زنوبيا إلى تدمر لتعيد بناء جيشها من جديد، لكن أوريليانوس وجيشه لحقها إلى هناك وحاصرها في تدمر، فحاولت الذهاب واللجوء إلى بلاد فارس برفقة ابنها وهب اللات، ولكنها لم تستطيع الوصول فقد استطاعوا أن يمسكوها ويسلموها لأوريليانوس الذي أخذها أسيرة.
اختلفت الرويات عن نهاية الأسطورة العظيمة الملكة زنوبيا، حيث تقول بعض المصادر أنّها أُقتيدت إلى روما وكُبلت بالسلاسل وعرضت في شوارع روما وتم محاكمتها هناك. و البعض الآخر يقول أنّها فضلت الموت على حياة الذّل ولم تصل إلى روما قط، فتجرعت السم وهي في طريقها إلى هناك لتنتهي حكياتها بالموت. حكاية ملكة عظيمة دافعت عن بلدها وشعبها ولم تستعبدهم ولم تستسلم وقاومت حتى النهاية، فكانت إمبراطورة وشخصية قوية ومؤثرة وستبقى رمزاً للقوة والصمود في في وجه الاحتلال الروماني، وسطرت اسمها في التاريخ بحروف من ذهب وتركت للبشرية إرثاً فنياً وتاريخياً يُحتذى به على مر العصور، والأثار الباقية إلى يومنا هذا تشهد على عظمة وعنفوان مملكة عظيمة حكمتها ملكة قوية ومؤثرة.